محمد بن علي الشوكاني
3400
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
البيان ( 1 ) . وأما ما أجاب به عن الحديث بعض من لم يتمرن بعلم الأدلة ، ويتدرب بمسالك الاجتهاد من أنه لم يكن منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - على طريقة الحكم بل على طريقة الإفتاء ( 2 ) ، فهذه غفلة كبيرة ، وبعد عن الحقيقة ، لأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لا يفتي إلا بما هو حق وشرع ، وقد تقرر أن السنة أقواله وأفعاله وتقرياته ، لا مجرد أحكامه فقط ، أي التي تكون بعد الخصومة ، وحصول المتخاصمين ، ولو كانت السنة ليست إلا الأحكام الكائنة على تلك الصفة لم يبق منها حجة على العباد إلا أقل من عشر معشارها ؛ لأن صدور الحكم منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - على تلك الصفة إنما وقع في قضايا محصورة كقضية الحضرمي ، والزبير ( 3 ) ، وعبد بن زمعة ( 4 ) ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> ( 1 ) انظر " المغني " ( 11 / 349 ) ، " المجموع " ( 20 / 145 ) . ( 2 ) قال المازري ( 2 / 265 ) : نبه الناس في هذا الحديث على فوائد ، منها : وجوب نفقة الزوجة ونفقة البنين . ومنها : أن الإنسان إذا أمسك آخر حقه وعثر له على ما يأخذ منه ، فإنه يأخذه لأنها ذكرت أنها تأخذ بغير علمه . ومنها : جواز إطلاق الفتوى ، والمراد تعليقها بثبوت ما يقول الخصم ؛ لأنها ذكرت أنه يمنعها حقها فقال لها : " خذي " وهذه إباحة على الإطلاق ولم يقل : " إن ثبت ذلك " ولكنه هو المراد ، ولهذا لا يقول كثير من المفتين في جوابهم : " إذا ثبت ذلك " ويحذفونه اختصارا . ( 3 ) أخرج البخاري رقم ( 2359 ، 2360 ) ومسلم رقم ( 2357 ) من حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه " أنه اختصم هو أنصاري فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للزلير : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى أخيك ، فغضب الأنصاري ، ثم قال : يا رسول الله أن كان ابن عمتك ، فتلون وجه رسول الله ثم قال : اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر " . ( 4 ) أخرج البخاري في صحيحه رقم ( 2218 ، 2533 ، 4303 ، 6765 ، 7182 ) ومسلم رقم ( 36 / 1457 ) من حديث عائشة قالت : " اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال سعد : يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص ، عهد إلي أنه ابنه ، انظر إلى شبهه ، وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي ، فنظر رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة ، وقال : هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر ، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة .